المواد الكربوهيدراتية لغز في طريقه إلى الحل

 دائماً ينقسم الوسط الطبي على نفسه , و يرجع السبب في ذلك إلى الإختلاف في وجهات النظر حول نقطة معينة من النقاط العلمية التي يمكن تفسيرها بكثير من الآراء و ذلك على الرغم من أن المضمون واحد, و لكن تتشعب طرق التوضيح و بالتالي تتعدد الإستفسارات و التساؤلات حول المضمون الصحيح.

و هكذا دائماً تخرج الصيحات الجديدة كل يوم و ليلة لتعلن عن نفسها و بعد فترة تخبو هذه الصيحة و يظهر غيرها و هكذا دائماً, فعالم العلم و المعرفة عالم متغير لا يستقر على وضع و يرجع السبب في ذلك إلى الطفرة الهائلة في تقدم العلم و النشاط غير الطبيعي للعلماء.

و قد شغلت المواد الكربوهيدراتية عقول العلماء و الناس على حد سواء فقد حيرت هذه المواد جميع المشتغلين في مجال الرياضة و غير المشتغلين من العامة , ففيما مضى إنزوت هذه المواد في ركن خاص بها بعد أن خرج تصريح يشير إلى ضررها و ضعف الفوائد التي يمكن أن تُجنى منها , ثم بعد ذلك ظهرت الصيحة الجديدة التي تركز على ضرورة تناول المواد الكربوهيدراتية كل يوم و خاصة في أروقة كمال الأجسام حيث أن المواد الكربوهيدراتية هي المسئولة عن النمو العضلي و المكاسب العضلية التي يسعى إليها المتدرب.

و لكن لم يقف الأمر عند هذا الحد و لكن ظهرت صيحة أخرى مفادها ينحصر في نوعية المواد التي يتناولها الفرد و توقيت تناولها حيث أن هذين العاملين يحددان بالضرورة النفع التام الذي يمكن أن يصل إليه المتدرب و بالتالي فإن هناك مستويات للإستفادة من هذه المواد الكربوهيدراتية , و تتوقف هذه المستويات و النسب على العاملين السابق ذكرهما و هما النوع و التوقيت , حيث يحددان الكفاءة التمثيلية للفرد , و المقصود بالنوع هو بالطبع نوعية المواد الكربوهيدراتية من حيث كونها مواد كربوهيدراتية أحادية أو ثنائية أو مركبة, كما أن التوقيت يقصد به توقيت التناول الأكثر إفادة للجسم من حيث التناول ليلاً أم صباحاً و الفارق في التمثيل هو المقصود بالطبع.

و من ذلك يتضح أن كفاءة المواد الكربوهيدراتية تتحقق تبعاً لنوع هذه المواد و توقيت تناولها , و لكن يجب أن ندرك أن تعيين كفاءة هذه المواد ليس بالأمر الهين , و يدخل ضمن نطاق تعيين الكفاءة عوامل كثيرة و متداخلة مثل :
طبيعية التمثيل الغذائي الذي يختلف من شخص لآخر , و السن الذي يعد عاملاً هاماً في تحديد نشاط العديد من العمليات الفسيولوجية , و ليس هذا فقط و لكن هناك عدة عوامل مسئولة غير ظاهرة و لكنها في غاية الأهمية و التعقيد في نفس الوقت.

و يعد هرمون الإنسولين من العوامل بالغة الخطورة في تحديد الإستفادة من المواد الكربوهيدراتية و الصورة التي تظهر عليها النتائج التمثيلية ( الجليكوجين ) بعد العديد من العمليات المعقدة , فعندما يكون نشاط الإنسولين في صورة طبيعية فإن المواد الكربوهيدراتية المتمثلة و الموجودة في صورة جلوكوز تتجه بصورة طبيعية و سريعة إلى خلايا العضلات متحدة مع بعضها لتكوين الجليكوجين في صورته النهائية التي يتم تخزينها داخل خلايا العضلات و الكبد, و لكن عندما يكون نشاط الإنسولين محدوداً و أقل من الحد المعتاد و الطبيعي فإن عملية إتجاه الجلوكوز إلى العضلات سوف تتوقف أو تضعف إلى حد كبير.

و لذلك فإن المواد الكربوهيدراتية المتبقية سوف تتحول بدورها و بعملية كيميائية معقدة إلى دهون يتم تخزينها في الجسم, و هذا يفسر عدم نمو العضلات نتيجة للفقد في الجليكوجين المختزن دون وجود العامل المسئول عن تحويل المواد الكربوهيدراتية إلى جليكوجين لتعويض الفاقد.

كما أن ذلك يفسر السمنة التي يتعرض لها البعض نتيجة لتناول المواد الكربوهيدراتية بشراهة , حيث إن زيادة تناول المواد الكربوهيدراتية  في غياب الإنسولين أو قلة مستواه في الدم يؤدي بالضرورة إلى تحويل نفس القدر منها إلى دهون مما يؤثر بصورة سلبية على صحة الأفراد.

و هنا يظهر عامل السن حيث إن الفرد عندما يزداد عمره فبالضرورة يتغير معدل التمثيل الغذائي لديه بصورة واضحة , لذلك فعلى الفرد في السن المتقدمة أن يحد من تناول المواد الكربوهيدراتية حيث أن زيادة تناوله لها تؤدي إلى زيادة نسبة الدهون في الجسم, و السبب في ذلك هو إرتفاع مستوى المقاومة لهرمون الإنسولين مع تقدم العمر بالإضافة إلى إنخفاض مستوى هرمون النمو و هرمون الأدرينالين.
فهذه التغيرات تسهل عملية زيادة الأنسجة الدهنية في الجسم و في نفس الوقت تحد من الزيادة في الحجم العضلي .

و لكن متى تحدث مثل هذه التغيرات ؟
تعتمد هذه التغيرات على الفرد ذاته, و لكن هناك بعض التغيرات تحدث في سن الخامسة و الثلاثين حيث تقل القدرة التمثيلية للمواد الكربوهيدراتية عنها في السن الأقل, و لكن أثبتت الأبحاث أن التدريبات تتيح للفرد قدرة أكبر على مجابهة هذه التغيرات , و بالتالي لن تكون هناك مشاكل لدى هؤلاء المتدربين كما يمكنهم تناول المواد الكربوهيدراتية بالقدر الذي يرغبونه, و يندرج من هم تحت سن الخامسة و الثلاثين ضمن الطائفة التي ليس لها مشاكل تذكر عند تناول المواد الكربوهيدراتية .

و في حين أنه ليس هناك أي مجادلات من جراء تناول المواد الكربوهيدراتية المركبة مع وجبة تحوي القليل من الدهون و المنافع التي تعود على الفرد من ذلك, فعلى الجانب الآخر وقف المعارضون لتناول الدهون مع وجبة ترتفع فيها نسبة المواد البروتينية و تقل فيها نسبة المواد الكربوهيدراتية . و يعتقد الكثيرون أن تناول وجبات ترتفع فيها نسبة الدهون و تقل فيها نسبة الكربوهيدرات أفضل بالنسبة لهم و تمدهم بطاقة كبيرة أكثر من المعتاد و لكن ليست هناك ثمة حقائق علمية منصوص عليها تؤكد ذلك, و قد صرح العلماء أن التنوع في التركيب الوراثي يؤدي إلى خلق مجال فسيح للتنوع في عملية التمثيل الغذائي.

و هكذا يفرض علينا ذلك السؤال و هو : هل يؤدي تناول المواد الكربوهيدراتية إلى زيادة الحجم العضلي و خفض نسبة الدهون ؟

مع وضع التنوع الجيني للبشر في الإعتبار يجب أن نعي أن هناك العديد من الرياضيين الذين لا يبدون أي إستجابة لتناولهم كما كبيراً من المواد الكربوهيدراتية و خاصة بعد التدريب, و هنا يكمن دور عامل السن حيث إن الأفراد الصغيرة في السن الصغيرة تكمن لديهم القدرة على إكتساب الأنسجة الدهنية أكثر من إكتساب الحجم العضلي و ذلك عند إتباعهم برنامجاً غذائياً ترتفع فيه نسبة المواد الكربوهيدراتية .

و من العوامل التي يمكن أن تؤثر على القدرة التمثيلية للمواد الكربوهيدراتية إستخدام العقاقير مثل هرمونات النمو و الستيرويدات البنائية حيث إن هؤلاء الأفراد المستخدمين لهذه العقاقير ترتفع لديهم الرغبة في تناول المواد الكربوهيدراتية و بالتالي تضطرب لديهم برامج التغذية مما يؤثر بصورة سلبية على بنيانهم الجسماني , و لم يتوقف الأمر على ذلك فقط , و لكن هناك الكافيين و الإفدرين حيث إنهما لديهما القدرة على زيادة مضادات الإنسولين و بالتالي الحد من إستهلاك الجلوكوز و عدم تكوين الجليكوجين , كما أن الكافيين و الإفدرين لديهما المقدرة على زيادة إفراز هرمون الكورتيزول الذي ليس فقط يعد مضاداً للأنسولين و لكن أيضاً يعمل على خفض نسبة هرمون التستستيرون و في بعض الرجال يزيد من هرمون الإستروجين الأنثوي.

و لذلك على الأفراد تحت سن الخامسة و الثلاثين أن يراعوا إختبارات سكر الدم و حساب السعرات الحرارية الناشئة عن المواد الكربوهيدراتية و ذلك حيث يختص هؤلاء الأفراد بقدرتهم على تكوين الأنسجة الدهنية أكثر من إكتساب الحجم العضلي, و عن طريق الإختبارات و التحاليل يمكنهم التحكم في مستوى الدهون في الجسم و بالتالي يتجنبون زيادة الأنسجة الدهنية.

و على الرغم من إزدياد قدرة الأفراد على نقل الجلوكوز إلى العضلات بعد أداء فترة التدريب فإن قدرة هؤلاء الأفراد على تمثيل المواد الكربوهيدراتية تكون متفاوتة و مختلفة في تحويل المواد الكربوهيدراتية إلى جلكوجين , و مهما يكن السبب في ذلك يجب أن يدرك الفرد ما يجب عليه أداؤه تجاه هذا الأمر عند التعرض له , فأولاً يجب أن يعي أن عملية الإحلال في جليكوجين الكبد يدخل فيها العديد من العوامل تزيد كثيراً عن بلازما الدم.

فعلى سبيل المثال هناك اللاكتات التي تشارك بها العضلات في عملية تكوين الجليكوجين و تخزينه في الكبد, و اللاكتات هذه عبارة عن كونها ناتجاً فرعياً بعد إمتصاص الخلايا العضلية للجلوكوز و في أثناء تمثيله و تحويله إلى جليكوجين, و تخرج اللاكتات و تتجه إلى الكبد حيث يتم تمثيلها و تحويلها إلى جليكوجين, و هذا بالفعل يؤكد إستخدام الجلوكوز بعد تناول الوجبات في عمليات إعادة التأهيل.

و لو حدثت أي إعاقة لإمتصاص الجلوكوز في العضلات فإن الجلوكوز يستخدم بصورة سريعة في تكوين دهون يتم تخزينها أيضاً في الكبد, و تحتاج هذه الدهون إلى فترة طويلة و دورة إنزيمية عالية الكفاءة لتحويلها إلى جليكوجين.

و لكن هل لذلك كله تأثير على جميع أجزاء الجسم؟

إذا كانت لدى الفرد القدرة على تحويل الكربوهيدرات إلى دهون نتيجة لزيادة معدل الجلوكوز في الدم فإن إرتفاع هذا المعدل يزيد من نسبة الدهون في الجسم مما يؤدي إلى إنخفاض معدل تكوين العضلات , و لكن عند إتباع الفرد لبرنامج تدريبي مكثف فإن الجلوكوز يوجه إلى تكوين الجليكوجين و لكن هذه عملية نسبية بالنسبة للعضلات و قدرتها على تمثيل الجلوكوز  و معدل الجلوكوز الذي يتكون في الجسم.

و في حالة وجود أي خلل أدى إلى تقليل معدل تكون الجليكوجين في الكبد و بصورة سريعة فإن نسبة السكر الموجودة بالدم سوف تقل في فترات ما بعد الوجبات مما يؤدي إلى زيادة مستوى هرمونات الضغوط العصبية و زيادة هذه الهرمونات تؤدي بدورها إلى سحب الأحماض الأمينية من الخلايا العضلية , أي أن هذه الهرمونات تسهل عملية التوازن النيتروجيني السالب الذي يحد من عملية التمثيل البروتيني للعضلات , و هذه الأعراض تؤدي بالضرورة إلى ضعف القدرة التدريبية و بطء عملية إكتساب الحجم العضلي و إرتفاع مستوى الدهون في الجسم و خاصة عند كون المتدرب لا يحرص على أداء تمرينات الأيروبيك و لو مرة واحدة أسبوعياً.

و لكن ما هو الحل و الطريقة المثلى لتجنب هذه الأعراض؟
لا يمكننا أن نجيب إجابة سهلة, و لكن يجب أن نعلم أنه يلزم أولاً أن يعود مستوى الجليكوجين إلى وضعه الطبيعي بمساعدة اللاكتات و الفركتوز , و يمكن الحصول عليهما بمجرد بدء العضلات في إمتصاص الجلوكوز من مجرى الدم, و لذلك يكون الحل الأمثل لمثل هذه الحالة هو تناول الكربوهيدرات السائلة التي تحتوي اللاكتات و الفركتوز بالإضافة إلى المالتودكسترين .

و تناول هذه المشروبات الكربوهيدراتية يؤدي إلى خفض نسبة الكربوهيدرات التي يتم تناولها بعد أداء البرنامج التدريبي و ليس هذا فقط و لكن أيضاً إمداد الكبد بالعناصر اللازمة لزيادة سرعة تكوين الجليكوجين.
و بعد أداء الفترة التدريبية يجب أن يحرص المتدرب على إختيار المواد الكربوهيدراتية التي لا يصل معها إلى حد زيادة التحميل الكربوهيدراتي.

و عند إختيار المتدرب للمواد الكربوهيدراتية يجب أن يراعي أن هذه المواد ذات تأثير محدود على سكر الدم بحيث لا تسبب زيادة مفاجئة فيه مع تزويد الكبد بالعناصر اللازمة لتكوين الجليكوجين , و مثال لهذه المواد المكرونة و الأرز غير منزوع القشرة و الخضراوات حيث يتم هضمها بصورة بطيئة نسبياً مما يؤدي إلى ظهور الجلوكوز الناتج عنها بعد فترة طويلة مما يؤدي إلى ضعف فرصة تكون الدهون , لأن العضلات في هذه الحالة تكون قد إمتصت أكبر قدر ممكن من الجلوكوز الموجود في الدم حتى في وجود العناصر المقاومة للأنسولين.

و هناك أمثلة للمواد الغذائية التي ترفع بشكل مفاجئ مستوى السكر في الدم مثل البطاطا و الأرز الأبيض , فهذه المواد لا تكبح جماح الجوع و لا يشعر الفرد بعد تناولها بالشبع و حالة من عدم الإتزان.

و لكن ما هي المواد الغذائية التي يجب على المتدرب تناولها في فترات ما بين الوجبات في حالة عدم إقباله على المواد الكربوهيدراتية ؟
ينصح الخبراء بتناول الفاكهة و الأحماض الأمينية ذات السلسلة المتشعبة , حيث يتم إمتصاص فركتوز الفاكهة جميعه من مجرى الدم و يتم تحويله إلى جلوكوز أو جليكوجين , و لكن الأحماض الأمينية ذات السلاسل المتشعبة تتجه مباشرة إلى العضلات لزيادة الحجم العضلي و الحد من عملية تكسير بروتين العضلات, كما أنها تحسن من حساسية الخلايا للأنسولين, و يمكن صياغة ذلك بأن هذه العملية تحد من عملية الهدم و توفر القدر البروتيني الذي تحتفظ به العضلات , كما أن ذلك يؤدي إلى إكتساب الحجم العضلي و زيادة القوة العضلية و ذلك لأن تناول الأحماض الأمينية و الفواكه بين الوجبات يؤدي إلى خفض معدل الهدم و يحد من معدل تحول الكربوهيدرات إلى دهون .

و مما تقدم يتضح لنا أنه يلزم على كل رياضي أن يعلم المزيد عن الغذاء الذي يتناوله و كيفية إختياره له حتى يستفيد بكل سعر حراري و بالتالي يحصل على بنيان عضلي غير مسبوق يؤهله لخوض التنافسات التي اللاعبين الكثير من الأسس و المبادئ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حقيقة مبدأ الخداع التدريبي في رياضة كمال الأجسام

اللبن الزبادي أمل جديد على الساحة الرياضية

أقراص خلاصة الكبد و لاعب كمال الأجسام