كيف يمكن ترويض الإشعاع ليكون صديقاً للرياضيين

منذ قديم الزمان و الإنسان في حيرة من أمره, كيف يتسنى له حفظ طعامه ليعود إليه كلما احتاج إلى بعض منه ؟ فما كان منه إلا العمل على إيجاد بعض الوسائل التي تمكنه من حفظ طعامه, فبدأ بالتمليح والتجفيف ثم تبعهما بالتخليل , بعد ذلك استعان بالشمس لتكون خير معين له على قضاء حوائجه و لم لا ؟! أليست الشمس هي الكيان المحبب بالنسبة له ؟!!! و ما دام يعشقها فعليها أن تعينه على قضاء حوائجه نهاراً قبل ان تغيب و تنام ليلاً.

فاستطاع الإنسان أن يستفيد من الشمس و يطوعها كي تساعده على حفظ طعامه, فكيف أدرك ان حرارة الشمس تخلص الغذاء من نسبة كبيرة من الماء الذي يحويه؟ و بهذه الطريقة يوقف نشاط البكتريا في الغذاء و بالتالي يتم حفظه !

لا يمكننا أن نخوض في ذلك و لكن ما يهمنا هو أن نعلم أن هذه الطريقة التي استخدمت منذ أمد بعيد تم تطويعها كي تلاءم هذا العصر , و لكن ما أبعد الفرق بين اختلاف الطريقة و ثبات النظرية ؟ فاليوم يتم تجفيف المواد الغذائية عن طريق إمرار تيار من الهواء الساخن فوق هذه المواد ليتم بذلك نزع الماء جزئياً من هذه المواد الغذائية , و يتم بذلك حفظها لحين الحاجة إليها.
أما اليوم فما كان من علماء التغذية إلا الوصول إلى طريقة تحفظ الغذاء دون اللجوء إلى الأساليب سالفة الذكر و البالية كما يسمونها.

فما كان منهم إلا أن استطاعوا تطويع الإشعاع كي يتم استخدامه في الغذاء ,و نحن نتقدم لهم بالشكر , و لكن قبل ذلك يجب أن نتقدم ببعض التساؤلات عسى أن تجد إجابة عنها كي نطمئن على سلامة الغذاء المحفوظ عن طريق الإشعاع.

فمن يسمع اسم الإشعاع يكاد يموت رهبة من جراء العديد من المساوئ التي يتمتع بها, و هنا كان لزاماً على مجتمع الطب الرياضي أن يعمل في البحث ليصل إلى إجابة العديد من التساؤلات التي تحير العامة و الرياضيين , خاصة حول مضمون هذه المواد و وجه الصحة فيها , فكيف يعرف الشخص أن الغذاء الذي تناوله أو يتناوله قد تم معالجته باستخدام الإشعاع ؟

ثم هل يمكن أن يصل الغذاء الذي يتناوله المتدرب بغرض إمداد البرنامج التدريبي بالطاقة و بناء العضلات و زيادة حجمها إلى الحد الذي يمكن أن يقضي عليه؟ و هل لو تناول المتدرب الغذاء الذي تم معالجته بالإشعاع فهل سوف تتحول عضلاته إلى جسم مشع ؟ و إجمالاً لما تقدم ما هو بالضبط الطعام الذي تم معالجته بالإشعاع ؟
كل ذلك بعض من الأسئلة التي تدور في ذهن الغالبية العظمى منا, و نرجو أن نصل إلى الإجابة عنها كي نطمئن أو نمتنع .

و مما هو جدير بالذكر أن معاملة الغذاء بالإشعاع موضوع لاقى المزيد من الجدل , و أول  أمر أثار المشاكل حول هذا الموضوع هو اسمه و خصوصاً بعد حادثة تشيرنوبل و تأثر ثلاث جزر مجاورة لهذا المفاعل بآثار الدمار النائية عن هذا المفاعل المهلك و السبب دائماً هو الإشعاع, فكيف تحذر هذه الهيئات من أضرار الإشعاع القاتلة و تستخدمه هيئات أخرى في معالجة الغذاء بغرض الحفظ ثم يجيء الدور علينا كي نتناول هذا الغذاء ؟!! و هن هنا كان لزاماً علينا أن نتقدم بشيء من التفصيل لعرض الأمر بصورة سهلة و واضحة لنتبين أوجه الخطأ و الصواب حول هذا الموضوع.

يجب أن نعلم أولاً أن كلمة إشعاع تغطي جزءاً كبيراً من نطاق الطاقة و أدنى هذه المستويات يدخل ضمن البث الإشعاعي من الشاشات التليفزيونية أو شاشة جهاز الكومبيوتر على سبيل المثال, و أعلى هذه المستويات هي موجات الراديو و الموجات الدقيقة من حيث طولها الموجي و من هذا النوع توجد الأشعة تحت الحمراء و الأشعة المرئية و الأشعة فوق البنفسجية .
و أكثر هذه الموجات تأثيراً هي أشعة إكس و أشعة جاما حيث يدخل النوعان ضمن نطاق الأشعة الناتجة عن مصادر مشعة .

و عندما يحدث تصادم بين الموجة الإشعاعية و مواد أخرى عديدة و متنوعة تكون النتيجة الحتمية لذلك انتقال الطاقة لهذه المواد مما يسبب ارتفاعا في حرارة هذه المادة , كما في حالة استخدام هذه الموجات الإشعاعية في إنضاج الطعام أو لإعطاء الجسم اللون البرونزي من خلال أجهزة تعتمد على استخدام الأشعة فوق البنفسجية .

و في بعض الأحيان تتميز هذه الموجات الإشعاعية بأن لها طاقة ذات مستوى عال تستطيع هذه الموجات أن تغير من وضع إلكترونات الذرات التي تصطدم بها مما يغير من توافق و اتزان الشحنات بداخل الجسم عامة , كما يتسبب ذلك التغير أيضاً في إنتاج شحنات سالبة و موجبة تستطيع أن تغير من تناسق العضو كله من فرط النشاط الذي تتمتع به هذه الشحنات المتأينة و تبدأ هذه الأيونات في خلق وسط تفاعل كيميائي تشارك فيه المواد المحيطة مما يسبب خللاً في العضو نفسه.

ما هو بالضبط المقصود بمعاملة الغذاء بالإشعاع ؟

عند الإجابة عن هذا التساؤل يجب أن نشير إلى أن معاملة الغذاء بالإشعاع ما هي إلا تعريضه لجرعات كبيرة من الأيونات التي لها المقدرة على خلق و إحداث عدة تغيرات مفيدة في الغذاء, أول هذه التغيرات عبارة عن قتل البكتريا المتسببة في إحداث الأمراض مثل بكتريا السالمونيلا, و ثانيها هو زيادة عمر الغذاء عن طريق الحد من نشاط المواد التي لها القدرة على إفساده, و في بعض الأحيان تساعد هذه الإشعاعات على تأخير نضج الغذاء لحين الحاجة إليه, و على سبيل المثال يمكن أن تمكث الفراولة التي تم معالجتها بالإشعاع في الثلاجة فترة تزيد عن أسبوع عنها في حالة الفراولة التي لم يتم معالجتها .

و يمكن إجمالي هذه المميزات في أن الإشعاع المستخدم في حفظ الأغذية يزيد من فترة تخزين الغذاء , ذلك في حالة وجود الإضافات المستخدمة في الغذاء , و كان الإشعاع كوسيلة من وسائل حفظ الغذاء قد تم دراسته أولاً في الولايات المتحدة و أوروبا في بداية هذا القرن, أما الآن فقد شاع استخدام الإشعاع و اتسع نطاق استخدامه حيث وصل عدد الأغذية المستخدم فيها الإشعاع كوسيلة من وسائل الحفظ إلى خمسين نوعاً تبدأ بالتفاح و تنتهي بحفظ أرجل الضفادع التي يتم تناولها فيما يزيد على 40 دولة.

و استخدام الإشعاع في حفظ الغذاء ييسر من عملية إعداد الغذاء و خصوصاً لدى لاعبي كمال الأجسام الذين يميلون دائماً إلى انتهاج وسائل سريعة و سهلة في إعداد برامجهم الغذائية , و لكن على الجانب الآخر يجب أن يدرك الرياضيون و خصوصاً لاعبي كمال الأجسام أن استخدام الإشعاع ف حفظ الغذاء يفقده الكثير من العناصر الغذائية الضرورية و خصوصاً الفيتامينات , و تكون هناك علاقة طردية بين زيادة جرعة الإشعاع و زيادة القدر المفقود من الفيتامينات , و على سبيل المثال فإن الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل فيتامين ( ھ ) يعد من أكثر الفيتامينات تأثراً بالإشعاع حيث يمكن أن تنخفض نسبته إلى أقل من 25 % عند التعرض للإشعاع.

ثم يلي ذلك الانخفاض الحادث في كل من فيتاميني ( أ , ك ) أما بالنسبة إلى فيتامين ( د ) فإنه يبقى في حالة ثبات إلى قدر معين , و لكن الإشعاع يفقد الغذاء ما يحتويه من فيتامين ( ب المركب ) , و عند تعرض الليمون إلى الإشعاع فإنه يفقد ما يعادل 10% من فيتامين ( ج ) , أما الأخبار الحسنة المتعلقة بالأمر فهي أن المواد البروتينية و الكربوهيدراتية و الدهون و الأملاح المعدنية جميعها لا تتأثر بالإشعاع و لا يحدث بها تغيير.

و ما يجب أن يذكر في هذا النطاق هو أن عملية إعداد الغذاء أي ( طبخه ) تستنفد جزءاً من محتواه من المواد الغذائية الضرورية و عندما يضاف إلى ذلك أن الغذاء المعد قد تم معالجته بالإشعاع فإن الفقد يكون أكثر , و تقل القيمة الغذائية له.

و هكذا يبدو أن الأمر حرج و خصوصاً بالنسبة للاعبي كمال الأجسام الذين يريدون معرفة كل ما يحتويه غذاؤهم من المواد الغذائية الضرورية , و لكن يجب أن نوجه النظر إلى أن الأبحاث أثبتت أن نسبة الفاقد عن طريق الإشعاع تقل كثيراً عن النسبة المفقودة في حالة استخدام الطرق الأخرى مثل التعليب.

و هكذا يبدو أن استخدام الإشعاع في حفظ الغذاء يعد طريقة آمنة بالمقارنة بما يشع عنه, و قد أظهر ذلك آخر التقارير التي أصدرتها هيئة الغذاء و الدواء الأمريكية , و منذ عام 1984 و الخبراء يقدمون ساقاً و يرجعون الأخرى حول معاملة الطيور المذبوحة بالإشعاع بغرض الحفظ , و السبب في ذلك أحد التقارير الوحيدة التي نصت على أن مثل ذلك الأداء يسبب الإصابة بأحد الأمراض الخطيرة, و لكن منظمة الغذاء و الدواء أصدرت تقريرها عام 1990 تثبت أن ذلك ما هو إلا ضمن الأكاذيب التي تهول الأمر, و خير مثال على ذلك لاعب كمال الأجسام الذي يتناول ما يقرب من 31,5 كجم سنوياً من هذه الطيور و لم يحدث أن أصيب بأحد الأمراض منها, و هذا خير دليل على صحة التقرير الذي أصدرته منظمة الغذاء و الدواء الأمريكية .

و يمكن أن يكون المرض الذي تعرضت له الحالة السابق ذكرها قد نشأ عن وجود بكتريا السالمونيلا أو الكامبيوباكتر التي توجد في الغذاء و تسبب تسممه و بالتالي إصابة من يتناوله بالعديد من الأمراض, و قد أثبتت الأبحاث التي أجريت في منظمة الغذاء و الدواء الأمريكية أن الإشعاع يقتل 99,5-99,9 % من البكتريا المسببة للأمراض و غيرها التي توجد داخل الطائر , و هكذا تطول فترة حفظ الغذاء البروتيني الذي تم تعريضه للإشعاع عن ذلك الذي لم يتعرض.

كما أثبتت الأبحاث أن التعرض للإشعاع يمكن أن يقلل من مسببات الأمراض في لحوم الأبقار و العديد من اللحوم الحمراء و الأسماك, و أي لاعب لكمال الأجسام حدث و تعرض لحالة من حالات التسمم الغذائي يمكنه أن يستعين بما سبق ذكره ليتخير الأطعمة التي تلاؤمه.

كيفية معاملة الغذاء بالإشعاع

تعد عملية معاملة الغذاء بالإشعاع عملية سهلة و بسيطة , ففيها يتم حمل الغذاء إلى وحدة الإشعاع و بعيداً عن مصدر الإشعاع بعدة أمتار قليلة , تزيد أو تقل حسب طبيعة الغذاء , و يستخدم عنصر الكوبالت 60 كمصدر للإشعاع في معاملة الغذاء في العديد من الولايات الأمريكية .

و يتم صف الكوبالت على هيئة صفوف في أنبوبة من معدن ثقيل مثل الصلب غير القابل للصدأ حيث يمرر الغذاء عبرها بحيث يكون معرضاً لأشعة جاما فيما يزيد عن الساعة , و يراعى في ذلك عدم ارتفاع درجة حرارة الغذاء  إلا لدرجات قليلة لا تغير من طعم أو قوام الغذاء, و بعد مرور الساعة المخصصة للتعرض يتم إنزال الكوبالت في الماء ليتعين على العاملين دخول حجرة التعريض للإشعاع بصورة آمنة .

كما يراعى في حالة تعريض الغذاء للإشعاع أن يقل معدل التعريض من وقت لآخر بحيث لا يسمح لهذه الأشعة بكسر الروابط الكيميائية و تكوين الجسيمات الحرة الدقيقة التي تؤثر سلبياً على الحامض الأميني الديؤكسي ريبوزي المسئول عن سلامة الخلية, كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى خلق جسيمات لم تكن موجودة قبل التعرض للإشعاع.

و هكذا كان لزاما على الخبراء أن يتدخلوا في مراقبة هذه العملية بغرض الحد من الأخطار التي يمكن أن تنشأ عن فترات التعرض الخاطئة و التي لا تخضع لأي نوع من أنواع الرقابة .

و مما هو جدير بالذكر أن هذه المواد توجد في كميات ضئيلة جداً تكاد تقارب بضعة أعداد من الألف في المائة حيث يمكن أن تصل إلى 0,067 % و هذه نسبة ضئيلة و لكن يجب أن نذكرها و نعي مضمون وجودها .
و دائماً يوجد المعترضون الذين يعترضون دائماً على أي شيء , فهؤلاء يصرون على أن معاملة اللحوم الحمراء بالإشعاع يتسبب عنه ظهور البنزين ! كما أن المواد الغنية بالمواد الكربوهيدراتية عند معاملتها بالإشعاع فإن مادة الفورمالدهيد تنتج بها .

و لكن الأمر لم يقف عند هذه التصريحات بل إن منظمة الغذاء و الدواء تصرح بأن وجود هذه المواد يكون في كميات تافهة و لا تكاد تذكر و بالتالي لا تسبب أي مخاطر على الصحة , كما أن هناك نسباً أعلى من النسب التي تم ذكرها توجد بصورة طبيعية في الغذاء , فالبيض على سبيل المثال يحوي مائة ضعف الموجود في شريحة لحم تعرضت للإشعاع, كما أن الفورمالدهيد الموجود في التفاح يفوق النسب الموجودة في العديد من أنواع الغذاء التي تعرضت للإشعاع.

و مازال هؤلاء المعترضين يصرون على أن الإشعاع يسبب الكثير من المضار على الصحة والتي تنشأ عن المواد التي يخلفها الإشعاع , و عند سؤال أي من هؤلاء المعترضين عن تسمية هذه المواد لا يستطيعون حتى تسمية إحداها!! و الكلمة الأخيرة التي توجهها منظمة الغذاء و الدواء هي أنه يتعين على الفرد إدراك ما إذا كان الطعام الذي بين يديه قد تعرض للإشعاع أم لا و له حرية الاختيار في تناوله أم لا.

و يعرف المستهلك ذلك عن طريق كتابة إحدى العبارات التي تشير إلى حالة الغذاء من حيث كونه متعرضاً أم لا أو عن طريق وضع الرمز الذي يشير إلى معالجة الغذاء بالإشعاع و أخيراً يمكن للفرد قياس إيجابيات و سلبيات الموضوع و عليه بعد ذلك أن يقرر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حقيقة مبدأ الخداع التدريبي في رياضة كمال الأجسام

اللبن الزبادي أمل جديد على الساحة الرياضية

أقراص خلاصة الكبد و لاعب كمال الأجسام